الشيخ السبحاني
20
مفاهيم القرآن
الّذي يعد كمالًا للجسم ، وأين هو من العلو المعنوي الّذي هو كمال الذات . وقد جاء استعمال لفظ الاستواء على العرش في سبع آيات مقترناً بذكر فعل من أفعاله ، وهو رفع السماوات بغير عمد ، أو خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، فكان ذاك قرينة على أنّ المراد منه ليس هو الاستواء المكاني بل الاستيلاء والسيطرة على العالم كله ، فكما لا شريك له في الخلق والإيجاد لا شريك له أيضاً في الملك والسلطة ، ولأجل ذلك يقول في بعض هذه الآيات : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ( « 1 » ) . فالتأويل بلا قيد وشرط ، إذا كان ضلالًا - كما سيوافيك بيانه - فكذلك الجمود على ظهور المفردات ، وترك التفكّر والتعمّق أيضاً ابتداع مفض إلى صريح الكفر ، فلو حمل القارئ قوله سبحانه : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ) ( « 2 » ) على أنّ لله مثلًا ، وليس لهذا المثل مثل . . . إذن يقع في مغبّة الشرك وحبائله ، وقد نقل الرازي في تفسيره لهذه الآية كلاماً عن ابن خزيمة فراجعه . ( « 3 » ) وما أحسن قول ابن العربي في هؤلاء المجسّمة المشبهة : قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا * * * عنها العدول إلى رأي ولا نظر بينوا عن الخلق لستم منهم أبداً * * * ما للأنام ومعلوف من البقر وهؤلاء سلف المشبهة وأئمّة المجسّمة ، وقد اغتر بقولهم جماعة من البسطاء المحدثين إلى أن طلع إمام الأشاعرة فادّعى في الفترات الأخيرة من حياته أنّه تاب
--> ( 1 ) . الأعراف : 54 . ( 2 ) . الشورى : 11 . ( 3 ) . مفاتيح الغيب : 8 / 388 .